اخر الاخبار اليوم حازم منير يكتب: قصة جيل عاش الانكسار والانتصار

جورنال مصر 0 تعليق 10 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

جورنال مصر:  

يقولون إن الأمم الكبرى العظيمة هى القادرة على تحويل اللحظات العصيبة والصدمات من الانكسار إلى الانتصار، وعلى قدر النجاح يكون التحدى، أو كراهية من يرفضون نجاحك، وعلى قدر التقدم الذى حققته مصر كانت عنف وقوة الضربة فى يونيو.

بعد النكسة كنا ونحن أطفالٌ نتدرب على المقاومة الشعبية.. ويوم الحرب ارتدينا الأفرولات الصفراء والخوذات لتأمين الجبهة الداخلية

 

1

قبل سنوات من نصر أكتوبر، تلقينا صدمة عميقة، صدمة لم ينج منها مصرى واحد، شيوخًا وأطفالًا، سيدات وبناتٍ، رجالًا وشبابًا، المجتمع كله استيقظ يوما على صمت رهيب أعقبه مفاجأة الاعتراف بالهزيمة ثم كانت صدمة استقالة ناصر، والانفجار المدوى وشلال الجماهير الهادر فى الشوارع يهتف «لا تتنحى».

منذ تلك اللحظة بدأ نصر أكتوبر فى التبلور، فالاعتراف بالهزيمة وتحمل تبعاتها بالاستقالة، خروج الشعب إلى الشارع لإجبار القائد على الاستمرار فى تحمل مسئولياته وإصلاح ما فسد، كانت البداية الحقيقية للنصر، بعد أن أصبح الناس هم أصحاب القرار.

2

لماذا كانت الصدمة؟ وهل يمكن شرح معانيها وأحاسيسها للقارئ؟ أشك فى ذلك، ولكن يكفينى القول إن أياما قليلة قبل النكسة ربما تظهر لماذا الصدمة وكيف كان تأثيرها؟.

كنا أطفالا صغارا، ننتظر يوم الثورة فى 23 يوليو، لنخرج مهرولين إلى الشوارع، ننتظر مرور طائرات الهليكوبتر على ارتفاعات منخفضة، تلقى علينا بهدايا عيد الثورة مربوطة فى مظلات «باراشوتات» صغيرة، وكنا نتنافس فيما بيننا من حصل على هدايا أكثر من الآخر.

ونحن أطفال كان كل منا يحلم بمستقبله ضابطا بالجيش، حين نتشاجر ويتفاخر أحدنا بموقف نقول له «إنت فاكر نفسك مين؟ ابن عبدالحكيم عامر يعنى؟»، أن تصبح ضابطًا حين تكبر منتهى الأمل، فتخيل كيف كانت أحلامنا وثقتنا فى جيشنا؟.

لذلك كان طبيعيًا أن تترجم تلك المشاعر فى مواقف بعد إعلان رفض الهزيمة وإجبار القائد على مواصلة دوره حتى النصر، والذى لن يتحقق إلا باستعادة الجيش وليس باستعادة ثقة الناس فى النصر التى لم تفقدها قط.

 

3

لا أنسى بعد النكسة مباشرة، أبلغونا فى قسم الطلائع التابع لمنظمة الشباب عن بدء التدريب العسكرى، توجهنا إلى هناك، فى ملاعب مركز رعاية الشباب بالجزيرة، حيث الحشائش العالية والأرض غير الممهدة، وأفواج من البشر رجال ونساء وشباب وبنات وأطفال، يستقبلنا ضباط من الجيش.

أتذكر فترات التدريب التى استغرقت أيامًا بسيطة عن الالتزام والاستماع لتعليمات القادة، والتدريب على قنابل المولوتوف.. تخيل.. لم يخش أحد أن تتحول هذه التدريبات إلى روح انتقامية فالجميع كان على عهد النصر.

كنا نعود إلى منازلنا، ونتجه إلى محطات البنزين بعد شراء زجاجات فارغة لنبدأ فى صناعة زجاجات المولوتوف بشراء بنزين وسولار وخلافه، ثم نتجه إلى أحد الشوارع الخالية للتدريب الخاص بنا، فهذه عبوة للانفجار بالإلقاء، وهذه بفتيل قماش، وتلك بوضعها على الأرض وتفجيرها بإلقاء الحجارة عليها.. هكذا كنا نؤهل أنفسنا بعد تلقى التدريبات الرسمية ونستعد للحظة ربما نشارك فيها فى تحرير الأرض واستردادها.

 

4

سنوات تمر ويتآخر الحلم، كنا فى مقاعدنا بالفصول فى السعيدية الثانوية العسكرية، أصوات هادرة فى شارع الجامعة، عاوزين نحارب، خرج طلاب الجامعة فى تظاهرات، كسرنا الأبواب وانضممنا لهم فى مسيرات، لم تستطع تجاوز نهاية سور حديقة الحيوان، ولم يتجاوز الأمر يومين من الاشتباكات مع الأمن المركزى، حتى انتهت التظاهرات.

لم نتوقع ونحن نهتف «عاوزين نحارب» أن أشهر قليلة من يناير وحتى أكتوبر من العام نفسه تفصل بيننا وبين استرداد الأرض وتتحول خلالها مطالبنا إلى واقع فعلى، كنا فى مدرسة عسكرية نتلقى يوميا دروسا فى التدريب العسكرى إلى جانب مواد الدراسة، نتدرب على ضرب النار، وعلى الانضباط العسكرى ونحن نرتدى زيًا خاصًا بالمدارس العسكرية.

أسابيع قليلة فصلت بين بدء العام الدراسى، ويوم كان غريبا جدا علينا، فى رمضان حيث اليوم الدراسى ذو مواصفات خاصة، يوم قصير وحصص قليلة وأداء فاتر من الجميع، ومغادرة مبكرة عن المواعيد الثابتة اليومية.

5

اليوم السبت 10 رمضان لا شىء مختلف، توجهنا إلى مدارسنا، أمضينا يومًا عاديًا جدًا، لا أتذكر تفاصيل كثيرة فلم يكن هناك شىء غير عادى، اللهم إلا رغبة كامنة فى النفوس «عاوزين نحارب» لكنها كانت خامدة وهامدة تنتظر من يحركها، بس مش فى رمضان.

غادرت المدرسة حيث مواعيد رمضان مختلفة، وتوجهت إلى محطة التروللى باص، متوجها للمنزل، الازدحام فى المواصلات العامة، ورغبة الجميع فى الوصول السريع للمنزل، حيث صدمتنا الرسالة الأولى أو البيان الأول فى الراديو.

ما أتذكره جيدًا، أن أحدًا من المحيطين فى المنزل أو فى البيت الذى كنا نسكنه توقع أن فى الأمر حربًا، وكانت التقديرات مجرد أحاديث عن اشتباك أو اشتباكات سرعان ما ستنتهى، لكن خاب ظننا بعد قليل حين بدأت تتوالى البيانات عن تصاعد فى الموقف تحول من اشتباكات إلى عمليات، حتى انطلق بيان عبور قواتنا المسلحة لقناة السويس.

ما أتذكره جيدا مقعد والدى فى بلكون المنزل عام 67 وهو يجلس وبجواره على السور راديو صغير يستمع إلى أخبار «بى بى سىس و«مونت كارلو»، بعد أن نفض يده عن إذاعاتنا المحلية، لكننا جميعا كنا نستمع إلى إذاعتنا المحلية عام 73 نتلقى منها البيانات والمعلومات الدقيقة والصحيحة، ولم تنجح الإذاعات الأخرى فى جذبنا تجاهها بعد أن تمكنا من تلقى معلومات وأخبار صحيحة من وسائل إعلامنا.

 

6

بدأ مقر الاتحاد الاشتراكى، حيث مكاتب منظمة الشباب وأقسام الطلائع تكتظ بالقادمين من الأعضاء للانضمام إلى الدفاع المدنى، وبعد استبعاد من هم أقل من السن المتاح لهم التطوع 16 عاما بدأت عملية توزيع الملابس المعدة والتى كانت قد تسربت إلى المخازن قبل أيام وربما أسابيع دون أن ندرى أصلا بتخزينها.

مدرسة خاصة بالحى تطوع أصحابها بتحويلها إلى مقر للدفاع المدنى، حيث تم تأسيس غرفة عمليات، ونوبتجيات، وتوزيع أفراد الدفاع المدنى على شوارع وميادين المنطقة، بعد عمل جلسات تنشيط معلوماتى سريعة عن مهام كل فرد.

 

7

كنا نرتدى «أفرول أصفر» ونحمل خوذة صلبة ثقيلة على رؤوسنا، نتوزع على مواعيد ونوبتجيات، نتجول فى الشوارع، وفى أيدينا عصى تم استلامها من المقر الرئيس بالحى، نتأكد من التزام الناس بإطفاء الأنوار فى حالة الضرورة، نتابع الطريق ونرقب المارة، نبحث بأعيننا عن أشياء مثيرة مريبة فى الطريق.

مهمتنا كانت واضحة، نشارك فى تأمين الجبهة الداخلية، نتأكد من بناء سواتر الطوب الأحمر، أو رص سواتر من شكاير الرمل أمام مداخل المنازل لحمايتها من الشظايا المتناثرة لا قدر الله فى حال وصول الحرب للمدن، نطمئن على دهان زجاج الشبابيك باللون الأزرق، وفرد اللاصق عليه لضمان عدم انشطارها إلى قطع صغيرة تصيب الناس فى حالة الغارات، ننادى الناس بإطفاء الأنوار إذا ما تم تكليفنا بذلك أو لو استدعى الأمر، وكانت الاستجابة والتعاون هى السمة المسيطرة على الأجواء.

كنا نتعامل كأننا جنود فى الحرب، بعض المشاعر اجتاحتنا لكنها لم تجنح إلى الشطط والتطرف فى التعامل، فى داخلنا إحساس بالمسئولية وتواجهنا ضغوط من قادة الدفاع المدنى بعدم التجاوز، وكنا نلتزم.

 

8

أتذكر من فرط انفعالنا واقعة الأخ إسماعيل يوم أن انتشرت شائعة سريعا بين الناس فى الحى بالعثور على جاسوس إسرائيلى والقبض عليه؟! تركنا كلنا أماكنا وانطلقنا مسرعين إلى المقر الرئيسى، كان هناك شاب أبيض البشرة، صاحب شعر أصفر وأنف معقوفة كما الأنوف المشهورة عن اليهود فى القصص والروايات.

كان إسماعيل أو هكذا قال اسمه، يجلس مذعورا فى غرف جانبية يقف عليها اثنان يمنعان أى شخص من الدخول، وكنا نقف من بعيد نشاهده ونترقبه، وبعد مناقشات وجلسات تحقيق، تبين أن إسماعيل ذا المواصفات غير المصرية، شاب مصرى يتيم، كان يجلس فى الطريق العام حين شاهده زميلان تصورا أنه وبسبب شكله ولون بشرته جاسوسا إسرائيليا فقبضا عليه واقتاداه للمقر.

 

9

الإحساس بالجدية والمسئولية وأغلبنا بين السادسة عشرة والعشرين من العمر كانت السمة الغالبة، ولا أتذكر أن أحدًا تعامل وكأنه فى رحلة أو فى فسحة أو مضيعة للوقت، العكس تمامًا كنا نغادر منازلنا قبل دقائق من موعد النوبتجية، نتجه للمكان المحدد لكل منا، نستلم الخدمة من الزملاء المتواجدين، الناس تتعامل معنا بجدية شديدة، لا مجال للتهكم أو السخرية أو عدم الاحترام بالعكس كانت الرغبة فى التعاون هى الأساس.

لا أتذكر أننا تعرضنا لموقف عصبى أو خوف من مواجهة حرامية أو عصابة فى ساعات الليل الطويل، ما أتذكره أن الناس كانت تسهر بجوار الراديو أو التليفزيون لمتابعة الأنباء وتلقى المعلومات، وما أتذكره أن الجميع كان آمنا من السرقة أو الاعتداءات الإجرامية وخلافه.

أكثر الأوقات صعوبة كانت أيام الثغرة، حتى بدأت تتسرب لنا مشاعر سلبية، واستعدت وقتها صورة التدريبات التى تلقيناها بعد النكسة، لكن توجيهات قيادة المقر كانت واضحة، هم هناك فى ساحة الحرب يقومون بمهامهم، ونحن هنا فى منطقتنا علينا الالتزام بأداء مهامنا، ولا يجب الانشغال عنها، فلكل فريق مهام عليه تنفيذها بدقة ونجاح.

 

10

43 عامًا مضت على أيام نصر أكتوبر، لا تبارح ذكرياتها ولا أحداثها مخيلتى، كانت الدنيا منظمة وتخضع لترتيب دقيق، من قسم الطلائع انتقلنا إلى منظمة الشباب، وغيرنا اتجه إلى الاتحاد الاشتراكى، كنا نتلقى تعليما وتثقيفا مختلفا عن الجماعية والالتزام واحترام الجماعة عن الادخار والابتكار، عن الوطنية والتصنيع، وكيف أنسى الزيارة التى قمنا بها ونحن أطفال إلى قلاع المحلة الكبرى ومصانع النصر للسيارات وغيرها، لنشاهد الصناعة الوطنية المصرية ونفخر ونتفاخر بها من صغرنا.

 

هل كان ممكنًا تحقيق نصر أكتوبر فى مناخ مخالف لما تربينا عليه وتربى عليه السابقون عنا؟ هل كان ممكنا صياغة الشعور الجمعى المصرى وتأسيس هذا التماسك الوطنى بين الأجيال المختلفة فى مناخ غير ما عايشناه؟ هل كان النصر ممكنا لولا إحساس الناس بالجدية والاستعداد لمواجهة المخاطر وتحمل تبعاتها من أجل تحقيق النصر؟

 

تناغم وتوافق تحقق بين جبهة القتال والجبهة الداخلية، كنا نطالب بالحرب وحين حدثت لم نتهكم أو نسخر أو نحذر من أنها ستفشل بل انخرطنا فيها كل بحسب إمكاناته وقدراته ومكانه، كانت الثقة فى القيادة العنصر الجوهرى للنجاح ومواصلة الطريق، فلم يتشكك أحد فى النوايا أو يفرض مناطق الخلاف والاختلاف فى لحظة اعتمدت على التماسك الوطنى وتبادل الثقة.

 

43 عامًا على النصر ولم نكتب عنه حتى الآن ما يشفى الغليل. لم نكتب عن الأوطان حين تتوحد فى مواجهة الأزمات فتحقق النصر، بل لم نكتب عن قواعد تحقيق النصر، لم نكتب عن كيف تمكن الشعب من إزالة التراب عن قدراته فحقق الانتصار.

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر اخر الاخبار اليوم حازم منير يكتب: قصة جيل عاش الانكسار والانتصار في موقع مصر 24 ولقد تم نشر الخبر من موقع جورنال مصر وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمة علي عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي جورنال مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق