الجزائر اليوم الدكتور بولوم محمد الأمين أستاذ القانون الدستوري و نائب عميد كلية الحقوق بجامعة الجيلالي اليابس ل " الجمهورية " :

سودارس 0 تعليق 95 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الجمهورية : منح الدستور الجزائري الجديد صلاحيات واسعة للأحزاب السياسية فما الذي تحقق لها كإضافة مقارنة بما كانت عليه سابقا ؟ الدكتور بولوم :
ينبغي القول أن الدساتير الجزائرية في عهد التعددية وكذلك القوانين المتعلقة بالأحزاب السياسية طالما تبنت أفكار منفتحة تجاه الأحزاب السياسية وشجعت على تشكيل أكبر عدد ممكن من الأحزاب ما دام ذلك يتفق مع الدستور وقوانين الجمهورية وبعيدا عن أي نوع من المزايدات ، صحيح في فترة معينة تم تجميد منح الإعتمادات للأحزاب السياسية لكن ذلك طبعا كانت له خلفيات من أهمها تصحيح بعض الإختلالات التي ميزت عملية منح الإعتمادات للأحزاب السياسية وكذلك لم يكن من الممكن السماح بتشكيل أحزاب سياسية قد تكون نسخة لأحزاب سياسية محظورة لكن سرعان ما تمت العودة إلى اعتماد الأحزاب بعد قانون الأحزاب الجديد الذي كان من ثمار حزمة الإصلاحات السياسية التي أطلقها رئيس الجمهورية .
أما الحديث عن الدستور الجديد لسنة 2016 فالأكيد أنه شكل نقلة نوعية ومهمة يتعين الوقوف عندها بإمعان شديد خاصة أن الأفكار الدستورية المتبناة ربما قد تجاوزت ودون مبالغة حتى التقاليد الدستورية الغربية في بعض الاتجاهات ومن هنا لا بد من التأكيد أن الدستور الجديد يشكل كوثيقة مكسب مهم للشعب الجزائري ومكسب أكثر أهمية أيضا للطبقة السياسية وبما فيها الأحزاب السياسية خاصة وأن بلادنا اليوم في أحوج ما يكون إلى ضبط الخارطة السياسية وأطيرها وتنظيمها تنظيما جيدا ومحكما بما يتفق مع المستجدات والتطورات الراهنة وبالخصوص أيضا المتغيرات الاجتماعية التي باتت تفرض نفسها على المجتمع الجزائري ومن هنا يمكن تفسير تدخل الدستور في هذا الإطار خاصة عندما نجده يعطي حيزا مهما للأحزاب السياسية بل ويعترف لها بممارسة حقوق معينة فنجده في المادة 53 يعترف بحقوق متساوية بين الأحزاب السياسية عندما يتعلق الأمر بحرية الرأي والتعبير والاجتماع وكذالك فترة زمنية تتناسب مع تمثيلها الوطني في وسائل الإعلام العمومية لنقل أفكارها والدفاع عنها و حتى التمويل العمومي وهذا شيء إيجابي لا ينبغي نكرانه خصوصا وأننا لا نجد هنا تمييزا بين أحزاب الأغلبية أو أحزاب المعارضة في هكذا حقوق ولا بد من الإشارة أيضا أن الدستور الجزائري هذه المرة وعلى غير العادة تبنى رؤية تشاركية بين أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة خاصة حين يعترف للمعارضة السياسية داخل البرلمان بحقوق هي الأخرى إذن واضح أن تطور الافكار الدستورية في الجزائر يتجه في المسار الصحيح والأحزاب هي الرابح الأكبر من كل ذلك بكل تأكيد .
الصلاحيات التي أُعطيت للأحزاب ( من خلال العمل البرلماني مثلا ) قلّ ما نجد لها مثالا في دول مجاورة أو أخرى أكثر ممارسة سياسية و مع ذلك لا تزال الرقابة غائبة على المناقشات و لم نطلع على أحزاب رفضت مشاريع قوانين مثلا فلماذا لا تأخذ الأحزاب في الحياة التشريعية بحقها في الاقتراح ؟
صحيح أن الأحزاب داخل البرلمان أي الممثلة داخل المؤسسة التشريعية أصبحت تملك مجالا واسعا للعمل السياسي وبالتحديد البرلماني من خلال دستور 2016 وحتى القانون العضوي الناظم للعلاقة بين المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وبينهما وبين الحكومة أو حتى من خلال النظامين الداخليين لكل غرفة على حدى سواء تعلق الأمر بأحزاب الأغلبية أو حتى المعارضة التي باتت لاعبا مهما داخل البرلمان بعد الحقوق الجديدة التي أقرها لها الدستور لكن قد لا أتفق معك في بعض النقاط خاصة عندما تتحدثين عن غياب الرقابة أو أحزاب ترفض مشاريع القوانين فلو عدنا إلى الإحصائيات الصادرة عن كلتا الغرفتين سنجد أن نواب البرلمان بغرفتيه يمارسون حقهم في الرقابة على أعمال الحكومة بشكل طبيعي سواء من حيث تقديم الأسئلة أو عمل لجان التحقيق أو المناقشات العامة أو غيرها كما أنه من الضروري التأكيد هنا على أن مراقبة الحكومة من طرف البرلمان لا ينبغي أن تفهم بشكل خاطئ أي بمعنى محاصرتها ومعاتبة أعضائها بسبب أو من دونه بل لا بد من توفر أسباب موضوعية ومؤسسة لتوجيه اللوم للحكومة أو استجوابها وبالتالي الدور الرقابي لا بد وأن يتم في إطار بناء وإيجابي بما يخدم المصلحة العامة لكن قد نتفق مثلا على أن مستوى الأداء الرقابي الموجود عندنا لا يرقى للرقابة التي تتم في البرلمانات الغربية لكن هذا ما سببه؟
مرده بكل بساطة لحداثة التجربة في الجزائر فلا ينبغي ان ننسى أننا لازلنا في مرحلة انطلاق لكن الأكيد أننا حققنا الكثير مقارنة بدول أخرى ولا يزال أمامنا الكثير لنحققه في الفترات المقبلة المهم هو توفر الإرادة الصادقة والمضي قدما نحو الارتقاء بديمقراطيتنا .
أما من حيث الرفض فهناك الكثير من الأحزاب التي عبرت في أكثر من مناسبة عن رفضها لمشاريع القوانين المعروضة وهذا أمر غير مخفي بل معلوم لدى الجميع وبالخصوص لدى الإعلام أما من جانب حق الاقتراح الذي يمنحه الدستور للأحزاب داخل البرلمان فدعيني أقول أن معظم مشاريع القوانين التي يسنها البرلمان في عدد كبير من الدول وليس الجزائر فقط مصدرها الحكومة وهذا أمر نجده حتى في أكبر الديمقراطيات التي يمارس فيها البرلمان دورا قويا في الحياة السياسية ولعل السبب الذي يقف وراء ذلك هو الوسائل التقنية والفنية و كذا اللوجستية الكبيرة التي تمتلكها السلطة التنفيذية مقارنة بالسلطة التشريعية ومع ذلك تقوم الأحزاب بدور كبير ومهم في العملية التشريعية وبالخصوص من خلال تقديم مقترحاتها وملاحظاتها على مشاريع القوانين داخل اللجان البرلمانية .
في الحياة البرلمانية ، لاحظنا أنّ أحزابا عندما تعارض مشاريع تسارع إلى الانسحاب و الأمثلة كثيرة من قانون المالية ل 2016 إلى رفض الأفافاس للدستور الجديد فهل الأمر جائز دستوريا ؟ و بدل الانسحاب هل ثمة بدائل عنه ؟
في حقيقة الأمر من المثير للدهشة أننا نجد أحزابا تأخذ من الانسحاب ذريعة لتبرير موقفها من مختلف القضايا الوطنية سواء داخل المؤسسات أو خارجها وبنظري فلا أعتقد أن الانسحاب بحد ذاته يمثل حلا أو مخرجا بل ينبغي للحزب أن يعبر عن موقفه بكل صدق وأمانة من منطلق احترام أصوات ناخبيه الذين صوتوا عليه اما اليوم وبعد تبني الدستور الجديد في نظري أن الحقوق التي تم اقرارها للأحزاب داخل البرلمان وبالتحديد لأحزاب المعارضة ستمكنها من لعب دور اكثر تميزا في المستقبل كحق إخطار المجلس الدستوري مثلا عن مشاريع القوانين .
دستوريا دائما هل يمكن للقضاء ملاحة التمويلات المشبوهة للأحزاب خلال الترويج للأفكار و البرامج أو في سباق الاستحقاقات ؟
من الواضح أن تمويل الأحزاب والعمل على ترويج أفكارها خلال الاستحقاق يتعين أن يكون وطنيا خالصا بعيدا عن أي تمويل مشبوه ولعل المادة 191 من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات خير دليل على ذلك حينما تجعل من المحظور تلقي هبات عينية أو نقدية أو أي مساهمات أخرى من أي دولة أجنبية أو أي شخص طبيعي أو معنوي من ذي جنسية أجنبية وبالتالي ما يدخل في إطار المنع يجعل متجاوزيه محل متابعة من القضاء دون شك.
مَن يحاسب الأحزاب عن أدائها ما دامت تقول أنها لسان الشعب ( في غياب مجتمع مدني صلب ) ؟
أولا دعينا نبدأ بالمجتمع المدني الذي هو بدوره يحتاج إلى إعادة نظر في الخارطة التي تحكمه وكذا الأطر القانونية والنظامية التي تحدد مجال عمله فالمجتمع المدني يكاد يكون غائب عن الدور الحقيقي المناط به داخل المجتمع وتحول من مؤسسات مهمتها التأطير والتوجيه إلى مؤسسات شبيهة إلى حد ما بالأحزاب الموسمية التي لا تظهر إلا خلال الإسنحقاقات الانتخابية وبالتالي أصبحنا للأسف أمام منظمات مجتمع مدني الكثير منها موسمية لا تكاد تظهر حتى تختفي ، أما بخصوص الأحزاب فينبغي أن نقسمها إلى قسمين أما الأول فهي الممثلة داخل البرلمان بينما الثانية فهي التي لا تملك ذلك التمثيل و هنا يأتي المواطن للمفاضلة بينهما فإذا تمكنت هذه الأحزاب من تنفيذ وعودها أعاد المواطن انتخابها وإن اخلفت أنتخب على غيرها .
أ لا تعتقدون معي أن الهُوة واضحة بين الأحزاب و الشعب، و يتضح ذلك من صعوبة تعبئة القاعات خلال الاستحقاقات ؟ ما سبب ذلك و ما سبيل رأبه ؟
صحيح أن الهوة واضحة وللأسف هي تتعمق أكثر فأكثر ويوما بعد يوم لأن المواطن بكل بساطة فقد الثقة في الشعارات التي باتت ترفعها عديد الأحزاب في بلادنا ولا ننسى أن حتى الانفتاح الإعلامي من انترنت وفضائيات وغيرها سمحت للمواطن أن يكون على مقربة من تجارب أخرى الأمر الذي شكل لديه وعيا متزايدا بالتحديات الحقيقية التي تواجهه في مختلف المجالات سواء اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية والأكيد إن الخطاب التقليدي للأحزاب والوعود غير الواقعية جعلت المواطن يسأم و يشعر بالإحباط من كل ذلك و عليه الواجب اليوم هو التفكير بجدية في ضرورة العمل على اعداد برامج و خطط و واقعية تلبي الحاجات و الانشغالات اليومية للمواطن حينها يمكن الحديث عن تراجع هذه الهوة .
في الديمقراطيات المتقدمة يشغل الخطاب الحزبي حيزا كبيرا من مساحة الرأي العام و الإعلام و لكن عندنا خطاب السلطة هو الغالب ( و أحيانا تسوّق له وسائل الاعلام " المعارضة " بدون شعور ) فهل يمكن خلق توازن بين الخطابين أم أن خطاب السلطة عندنا يستغل شغورا ؟
قد يكون هذا الطرح صحيحا في وقت مضى قبل الانفتاح الاعلامي في الجزائر لكن حاليا لا أرى أن خطاب السلطة هو السائد بل نجد أن هناك منابر سياسية متعددة سواء لأحزاب السلطة او المعارضة و الصحيح انه لا يجب البحث عن التوازن بين الخطابين بل الأصح البحث عن الخطاب المقنع و الذي يلقى صداه لدى المواطن ولو رجعنا لفكرة الموازنة ربما قد نجد انه لا خطاب السلطة و لا خطاب المعارضة قد لقيا ذلك الرواج اللازم و المطلوب لأننا لا زلنا لحد الساعة بعيدين كل البعد عن الآليات الاتصالية المستعملة في الغرب كالوسائط المتعددة وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها بل نسير إليها باحتشام وبحذر أيضا وهذا الوضع لا يصب في مصلحة أحد بالنهاية .
الأحزاب التي تسمي نفسها معارضة في بلادنا كثيرة الانتقاد لكن لا ترسم بدائل و لا تميِّزها قوة اقتراح، فما مرد ذلك ؟
مرد ذلك بكل تأكيد الانقسام والتشتت والسعي وراء مصالح متعارضة بالأساس وربما من نقاط ضعفها افتقادها للبدائل والمطروحات المقنعة التي تجعل المواطن ينساق من ورائها فالخلافات مثلا حول الزعامة والقيادة من أهم سقطات المعارضة هذا فضلا عن عدم توفرها على رؤية واضحة ومحددة المعالم فحتى الأحزاب الإسلامية لا يمكنها أن تتفق فيما بينها فكيف يمكن لك أن تتصور تحالفا بين حزب اسلامي وآخر علماني فهذا أمر صعب وبعيد المنال .
الحياة الحزبية في الخرائط السياسية عبر الديمقراطيات المتقدمة هي احتكاك يومي مع المجتمع المدني و هو الشيء الغائب عندنا، فهل لا يزال يُعول عليها في مرافقة الحياة السياسية نحو بر الأمان ؟
نعم يعول عليها وبكل تأكيد في المراحل القادمة لكن يشترط لأجل ذلك أن تراجع هذه الأحزاب نفسها وذلك من خلال دعم فكرة التطوير والتحديث وتقديم البرامج ذات النوعية والتي تكون أكثر قربا من المواطن وأكثر تحسسا لانشغالاته فعودة الثقة لدور الأحزاب سيساهم دون شك في تقوية المؤسسات الدستورية بدورها لأن تركيبتها البشرية لن تكون إلا من هذه الأحزاب .
الأحزاب ذات التوجه الوطني معروفة في الجزائر و هي لا تختلف كثيرا في أفكارها مع أفكار السلطة و لكنها تدّعي أنها معارِضة أليس في الأمر لبس ؟
ربما أنا شخصيا لا أشاطرك الرأي في التقسيم على هذا الوصف فلا يمكن أن نقسم الأحزاب الى وطنية أو غير وطنية فالكل بنظري هي أحزاب وطنية حتى تلك التي تميل للاتجاه الاسلامي لكن ذلك لن يغير من انتمائها ووطنيتها أما ما تقصدين من أحزاب فهي تحاول أن تسوق نفسها كبدائل لأحزاب السلطة أو على الأقل هي تملك أفكار تمكنها من التفاوض مع الأغلبية على أساس الارتكاز على النقاط التي تلتقي فيها معها لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية فقط وخاصة لو كان ذلك داخل البرلمان ذاته .
لماذا الأحزاب عندنا ( سواء وطنية أو جهوية أو دينية أو شيوعية ) غالبا ما تنقسم إلى أحزاب جديدة خارجة من رحمها ( النهضة ، حمس ...) و لكن خطابها لا يختلف اطلاقا فهل المشكل في الصراع على الزعامة فقط ؟
شخصيا لا أرى أن مشكلة الزعامة بمفردها تمثل سببا كافيا للانقسام وإن كان لها دور مهم في ذلك كما هو الحال في الأحزاب التي أشرت إليها لكن تعدد المصالح وتعارضها من جهة وظهور أجيال جديدة داخل هذه الأحزاب خلق نوعا من الصراع يختلف في قوته وآثاره بين حزب وآخر فهناك من الأحزاب من لم يسلم من هذه المتغيرات ومنهم من بقي الصراع الدائر خفيا ولم يخرج إلى العلن وأوافقك الرأي في مسألة الخطاب الذي لا يختلف فالكل يحاول الظهور في صورة المحافظ على الحزب وأفكاره والدفاع عن خطه التقليدي وحتى لو اختلف هذا الخطاب فإنه لن يتغير في لبه الذي يبقى دائما مرتبطا بإرث الماضي وبشكل يصعب التبرؤ منه .
الدكتور بولوم محمد الأمين

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر الجزائر اليوم الدكتور بولوم محمد الأمين أستاذ القانون الدستوري و نائب عميد كلية الحقوق بجامعة الجيلالي اليابس ل " الجمهورية " : في موقع مصر 24 ولقد تم نشر الخبر من موقع سودارس وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمة علي عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي سودارس

أخبار ذات صلة

0 تعليق