دوت مصر: ريفيو لفيلم قديم: ثرثرة فوق النيل.. حينما تمسك السينما بالمشرط والمطرقة

دوت مصر 0 تعليق 10 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

للسينما أدواتها، ليس المقصود هنا الأدوات السينمائية المتعارف عليها كالكاميرا، بل هناك أدوات تمسكها السينما للتعامل مع فكرة أو حالة إنسانية أو قضية سياسية، السينما قد تمسك مشرط جراح لتفتح جرح وتريك ما به من سوء وعطب، او تمسك مطرقة لتدق مسمار في رأسك مسمار يجعلك تفكر وبنفس المطرقة ممكن أن تضرب ضربة أولى في فكرة ما، أو تمسك كشاف وتسلط الضوء على خطأ أو مكروه ما، أو تمسك ناقوسا وتدق لتنبه الحاضرين، في النهاية السينما يمكن أن تؤدي كل هذا ولكن لا يمكن أبدا، أن تداوي أو تهدم أو تبني أو توقظ، هي فقط تجعلك تري أو تنتبه وعليك الباقي.

عالمين وجسر

حسين كمال في عام 1971 قرر أن تكون السينما ذات مشرط وناقوس ومطرقة، مستخدما كل أدوات الواقعية في السينما ليحول رواية نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل" إلى فيلم سينمائي كتب السيناريو والحوار له ممدوح الليثي، محاولا أن يكون السيناريو به من البساطة ما يكفي كي لا يرهق المتلقي بفذلكة لا طائل منها، ربما بدأت تلك البساطة نفسها من اختيار نقطة البداية.

أنيس زكي، الموظف العجوز الذي تحول إلى شخص مدمن للحشيش، يسير في شوارع القاهرة يحدث نفسه، لماذا البداية من عند أنيس؟ هذا سؤال تجيبه نهاية الفيلم، الغريب أن بداية الفيلم من أحد أكثر الشخصيات سلبية، الجميع يفعل أو يمتنع عن فعل ولكن انيس لا يفعل ولا يمتنع، أنيس زكي تحول إلى صنم، ولكنه صنم بداخله بعض بواقي الحياة يحاول ان يقتلها ببعده عن الناس ولا مبالاته الحقيقة بما يحدث ولكنه دائما ما يفشل.

أنت تكون ثائرا فتنهزم وقتها تجد أمامك طريقين الأول أن تعود لثورتك مرة أخرى وتظل هذا الثائر الفاعل النشط أو ان تتحول إلى أنيس زكي تراقب الأيام كي تمر وتسرع وتيرتها بالحشيش، الغريب أن أنيس لم يكن يوما جزء من أبناء العوامة أنيس ضيف عليها لم يتحول إلى رجب أو خالد أو علي، ظل هو أنيس بل تحول إلى شخص يمكن أن يأمره أحدهم أصبح خادم القعدة، أنيس كان مجرد ضيف على عالم له اسياده من الأساس.

بالفعل العوامة هي عالم يصل بيننا وبينه جسر خشبي وحلقة الوصل بين العالمين بواب يعرف جيدا أن مهمته هي خدمة أهل هذا العالم، ضع على هذا العالم ما شئت من أسماء سمه الدنيا سمه الواقع سمه الجحيم أو عالم موازي، كل تلك المسميات لا تهم ولا تغير من الأمر شيء، في النهاية هذا العالم منفصل عن العالم الحقيقي، والجسر لا وظيفة له إلا حمل السادة الجدد، وهذا ما أظهره حسين كمال بذكاء وبساطة باختياره لتصوير اقدام كل من يدخل هذا العالم للمرة الأولى.

من الضعف إلى التوهة

الجميع أتو من الضعف، لم يكن هناك شخص قوي في البداية ثم ضعف سوى أنيس، وربما رجب تنطبق عليه نفس الفكرة، ولكن البقية الباقية جاءوا من الضعف، ان تدرك كيف دخلت سنية و ليلى وسناء إلى العوامة، دخلوا عن طريق رجب البطريرك المسيطر "رجب"، ليلى تحلم بالثراء السريع بلا اخلاقيات شخصية هشة وضعيفة لا تاريخ ترتكن عليه او حتى محاولات خلق شخصية مستقلة، بينما سنية شخصية أضعف من أن تواجه نفسها تختلق مبرر واهي لتقتل ضميرها، حتى سناء تدرك ان رجب مجرد سلم براق لحلم اخر ولكنها تختلق أكذوبة حبها لرجب حتى لا تواجهه نفسها كلهن شخصيات ضعيفة في الأساس والهرب سمة أساسية لديهم سواء الهرب من واقع أو الهرب إلى حلم او الهرب من نفسهم.

بينما الشخصيات التي شاهدنها في العوامة بالفعل يمكننا ان نضع لأي منهم تاريخ وفق مخيلتنا ولكن تجد أن حسين كمال وممدوح الليثي ومن قبلهم محفوظ قرروا انهم شخصيات بلا تاريخ محض أقنعة زائفة تدعى الفن والثقافة والعدالة، وبعضهم يدعي الحب والعقلانية ولكنهم في النهاية مجرد شخصيات مهزومة لن تنتصر يوما ما، إنهم أضعف من أن يخلقوا لنفسهم حتى معارك وهمية يحاربون فيها طواحين الهواء، ولكن على العكس يحاولون ان يظهروا بشكل المحاربين من أجل الحرية، وتلك أيضا اكذوبة اختلقوها ليظلوا هكذا.

بينما الشخصية القوية الوحيدة في هذا العالم هي سمارة، التي دخلت العالم بعد محاولات مضنية من على ورجب، تدخل بشخصيتها وترفض التماهي معهم، شخصية قوية تفكر وترفض وتقرر وتحتال وتحب، سمارة أحبت رجب وكادت ان تقع بالفعل وتقتنع انهم لم يرتكبوا جرم حينما ترك الفلاحة تموت دون محاولة إسعافها أو تسليم نفسهم كادت ان تختلق عذرا لجريمة قتل.

 

الكاميرا تهرب أحيانا وتقترب أحيانا أخرى

كل هذا كيف عبر عنه حسين كمال سينمائيا، البداية كانت الكاميرا تهرب، الكاميرا مع انيس أفندي في الشارع تتحرك مسرعة مثله تتحرك بمحاذاته بنفس سرعته، ترى الأمور دائما من منظورين الأول منظور عام وواسع يكشف كل حاجة ثم منظور ضيق خاص بأنيس فقط، حينما يحدث أنيس نفسه فنحن نكون بالقرب منه إلا حينما يستعرض وضعا عاما، إذا الكاميرا هنا تضعنا دائما على مقربة من الشخصية.

بينما يتحول حسين كمال إلى الصدامية أو المفاجأة في مشاهد العوامة، ستجد ان الكاميرا تقف في لحظات بشكل مفاجئ، تقترب منهم بشكل فج، كأنها تفضحهم وتعريهم، وتكشف كل الزيف المحيط بهم، الكاميرا وحوار الفيلم الذكي كانوا السبب في اختصار وقت طويل في التعريف بالشخصيات مشهد واحد كان يكفي لمرعة كل اسياد العوامة الذكور ومعرفة أيضا خلفية أنيس أفندي، فقط مشهد واحد كان بعيدا كل البعد ع الخطابة، مشهد فيه كل مقومات السينما الممتعة.

اما في مشاهد المكاشفة فالكاميرا هنا تمسك مطرقة وتضربك بشده كأننا نحن "المساطيل" لا أنيس زكي، وربما كان المثال على ذلك مشهد اثار الحرب والتدمير في نهاية الفيلم المشهد الذي قتله ممدوح الليثي بصيحته "فوقوا" في توجيه مباشر للمشاهد، توجيه أخل بكل ما تم تقديمه من متعة سينمائية قبل ذلك.

أما المشهد الملون الوحيد في الفيلم، جاء في موقعة دون زيادة او نقصان جاء صادما للغاية، كاشفا لما تحول له رجب، موضحا ان ربما يكون بداخله بقايا شخص جيد، المشهد الذي من المفترض أنه يكشف انهيار قيمة الفن بشكل عام، ومحاولات التغييب التي ربما كانت متعمدة فيما قبل النكسة، كأننا فقدنا كل ما كنا نمتلكه وكنا نحتاج لمطرقة بالفعل كي نستيقظ.

 واحد من أفضل المشاهد التي قدمها حسين كمال في تاريخه مشهد عودة للعوامة بعد مقتل الفلاحة، حينما يجعل الدخان الكاميرا نفسها في حالة من الوعي بسبب دخان الحشيش المطلق أمامها، هنا أصبحنا نحن الجمهور جزء من عالم العوامة، قبل أن يخرجنا منه سريعا، وفي رأيي ربما كان من الأفضل أن تفرد مساحة أكتر لهذا التكنيك ان يجعلنا جزء من عالم العوامة لا مجرد مشاهدين فقط.

نهاية رحيمة

النهاية في الفيلم لم تأتي باترة أو صارمة ولم تحمل عقاب أو محاسبة، فقط تحرك البواب السلبي أخيرا ليفك حبل العوامة، هو فقط جعل هذا العالم كجزيرة منعزلة يحملها تيار المياه إلى حيث شاء، عزل حسين كمال عالم العوامة عن العالم الحقيقي العالم الحي الذي خرج إليه انيس افندي، عالم لديه معركة حقيقة لا مجرد معارك مختلقة لمدارة فشل وضعف، لم يمت رجب ولم ينكشف ستر سنية أمام زوجها ولم تتحول ليلى لفتاة ليل لم يلقى أحد من أسياد العوامة مصير مؤلم، فقط حرموا من متعة ان يضاف إليهم سيد جديد وأصبحوا منفيين داخل وطنهم، كمثال حي وواقعي لفكرة الاغتراب.

 كل هذا الزخم السينمائي يبحر داخل حالة موسيقية مختلفة للغاية، حالة نسجها على إسماعيل موسيقي تجمع بين التوهة والتخبط، بين التطور ومحاولات التحدي، إذا فهمت كيف تستطيع أن تحول كل حالة الشحن النفسي سواء السلبي أو الإيجابي في مصر في تلك الفترة إلى موسيقى فلن تجد أفضل من موسيقى على إسماعيل في ثرثرة فوق النيل.

ثرثرة فوق النيل التف بذكاء على الرقابة ففي رأيي الفيلم لم يتحدث عن النكسة وما بعدها بل أن الفيلم استعرض النكسة نفسها، النكسة جسدها الفيلم بمقتل الفلاحة، ومحاولة تنصل الجميع من المسئولية، كل رجال المملكة سواء صاحبها أو امبراطورها او قائد جيوشها حتى وزير العدل تنصل من المسئولية، مثلما حدث تقريبا في الحقيقة، لولا الخطابة السينمائية في بعض المشاهد التي افسدت حالة ولو قليلا تلك الحالة السينمائية المميزة.

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر دوت مصر: ريفيو لفيلم قديم: ثرثرة فوق النيل.. حينما تمسك السينما بالمشرط والمطرقة في موقع مصر 24 ولقد تم نشر الخبر من موقع دوت مصر وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمة علي عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي دوت مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق