دوت مصر: سيد الضوي.. عكاز وربابة و"فارس بلا وريث"

دوت مصر 0 تعليق 35 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ


"أنا كبرت وقصر باعي.. والبين خلف الميعادي.. يا مال مين يورثك بعدي.. أخاف يورثوك الأعادي.. يا هل ترى مين يورث المال.. مدام ممعييش خليفة.. فوضت أمري إلى المال.. سقانى البين كاس الخليفة"..  يبكي الفارس رزق الهلالي حظه.

حكايات عمرها ما يزيد عن 850 عامًا، ملحمة عظيمة تحكي هجرة قبائل بني هلال الحجازية من نجد إلى تونس، تبدأ القصة قبل ميلاد البطل الأسمر الشجاع أبو زيد الهلالي ابن رزق بسنوات ليست كثيرة، ذلك البطل الذي شهد مولده مشكلة كبيرة وهي إنكار والده له رغم الانتظار الذي كان، لتولد العقدة التي انطلقت معها حكاوي كثيرة في السيرة.

ماقبل الميلاد كان البطل رزق ابن نايل الفارس الشجاع حزين هائم على وجه في الصحراء، إذ تجاوز عمره الستين عامًا وهو من دون طفل يرث بطولته وسيفه وماله (جماله) وهو أكثر العرب امتلاكًا لها، يبكي حظه وضياع البطولة من أسرته لأسرة أو ربما قبيلة أخرى.

ميلاد الضوي
أما حكاية سيد الضوي فبدأت في فبراير 1934، بمدينة قوص في قنا، حيث الميلاد وهو بداية كل شيء حتى السيرة الهلالية نفسها تبدأ بأمل في ميلاد طفل صغير يرث سيف الفارس "رزق بن نايل بن جرامون بن عامر بن هلال".

صبي في العاشرة من عمره يصطحبه أبوه وجده إلى الأفراح والموالد والمناسبات التي تروى فيها "السيرة الهلالية"، لا يهتم بما يحكى في البداية بل ينام الطفل أيضًا، لكن 5 أعوام كانت كافية لأن يحفظ جزءًا كبيرًا من حكاوى الفارس الشجاع أبو زيد الهلالي.

تعلم الولد الربابة والحكي من والده، مثلما تعلم والده من الشاعر الشعبي الكبير جابر أبو الحسين وانضم لفرقته التي جابت قرى صعيدة تغني بيوت السيرة الهلالية، وخلال هذه الرحلة تعرف على فتى أسمر يأتي فقط للاستماع منبهرًا بما يروى، ولد يدعى عبدالرحمن الأبنودي، يستمعا للملحمة حتى التعب والنعاس.

عندما أتم الصغير 20 عامًا كان يجوب هو وصديقه عبدالرحمن الأبنودي مع الفرقة، مستمتعين لما يحكى وبالمشاركة في هذا العمل الذي يوثق واحدة من أعظم ملاحم العرب.

رزق وخضرا الجميلة

رزق ينوح وحيدًا في الصحراء يبكي عدم وجود وريث له، يسمع في الصحراء صوت غريب "يا رزق توجه إلى بلاد الحجاز وتزوج من مكة ، رؤية الانجاب من صوت مجهول ، يستجيب للرؤية ويذهب في موسم الحج إلى مكة وبالفعل يتزوج من خضرا الجميلة ابنة الأمير قرضة الشريف حامي الحرمين  التي رفضت الزواج من أبطال كثيرين.

10 أعوام تمر على الزواج ولا جديد، لم تلد خضرة يكبر الفارس ويشعر باليأس أكثر مما كان عليه، سيرحل من دون وريث للسيف والبطولة، يرفع الزوجان وجهما إلى الله بالشكاء والدعاء.

يخرج رزق حزينًا إلى الخلاء كي يقضي وقته في الصيد، بينما تصطحب جميلة صاحبتها "شمة" إلى بركة أُطلق عليها بركة الطيور، نظرًا لوجود طيور عديدة أمامها، أو بركة المنى الذي يختار من يقف أمامها طيرًا يملي عليه أمنية،  فتختار خضرا طيرًا أسمر قوي يستطيع هزيمة كل الطيور بالمعركة وتملي عليه رغبتها في أن تكون أمًا.

تلد فرسة "رزق" فيبشره أحد الرجال السمر باقتراب ميلاد الغلام الذي ينتظره، فيخصص الفارس 80 جملًا لهذه البشارة حال تحققها، وبالفعل تلد زوجته خضرا الشريفة ذلك الفارس الأسمر أبو زيد الهلالي. 

لون الطفل الأسمر يثير الشكوك بشأن نسب أبو زيد فيتهم رزق زوجته بالخيانة مع أحد العبيد ويتبرأ من نسبه ويطرد خضرا من منزله لتعود إلى ديار أبوها، بعدما كاد أخوه أن يقتل الطفل خوفًا من العار.

تخرج خضرا الشريفة باكية على اتهامها في عرضها في طريق العودة إلى والدها لتبدأ رحلة جديدة من رحلات السيرة الهلالية.

ربابة وعكاز

إذا كان أبو زيد الهلالي، سلاحه الشعر والسيف والرمح وركوب الخيل، فإن أسلحة سيد الضوي تتمثل في الربابة والعكاز والصوت الذي وثق حكايات الشعر والسيف. 

يد تتكأ على عكازٍ خشبي، وربما تسند الأخرى على يد حفيده رمضان عازف الربابة الذي عاش معه منذ أن كان في الثالثة من عمره بعد رحيل أمه، يصعد إلى خشبة المسرح ويصل إلى مقعده، فيحتضن ربابته تارة ويمسك الميكروفون مرة أخرى، ليتبادل الأدوار مع عصاه ويستند العكاز علي أحد ساقي "شيخ القوالين" سيد الضوي، مستمعًا لصوت سيرة "بني هلال" أو "السيرة الهلالية" التي يعود تاريخها إلى أكثر من 850 سنة.

 يقف الرجل بوجهه الأسمر الذي يبدو عليه التعب، إذ اقترب عمره من 80 عامًا، لمعة العينان اختبأت وراء النظارة، لكن الذاكرة مازالت تحفظ عددًا ضخمًا من أبيات "السيرة الهلالية" والتي تجاوز عدد بيوتها الملايين، يبدأ الضرب على ربابته ويلحق صوت الربابة التي يرى أنها الآلة الموسيقية الوحيدة القادرة على تزين حكايات السيرة، واستهلال سيل من الكلمات في مدح النبي أحمد.

يحب الرجل أن يبدأ حكاية "سيرة بني هلال" بمديح النبي محمد، فيما لا يقل عن 10 أبيات، مؤكدًا أن السيرة لا تحلو إلا بذكر النبي ومدحه، إضافة إلى التغني بمربعات أحمد بن عروس عن الهم والحب والصداقة والجمال والطبيب، والتي اعتبرها مدخلًا جيدًا للسيرة.

تمر الأيام ويرحل الأبنودي إلى القاهرة باحثًا عن نافذة يعرف بها الناس بشعره، ثم يعود بعد فترة إلى أسرة الضوي ويطلب منهما أن يصطحبهما إلى فرنسا لرواية السيرة الهلالية بإحدى الفعاليات هناك ويوافقان بالفعل، ويجوبون بعدها إلى دول عديدة بصحبة حكاوي أبو زيد الهلالي.

يقرر الأبنودي بدء رحلة جمع السيرة الهلالية، والتي استمرت لما يقرب من 40 عامًا، معتمدًا على الشيخ جابر أبو الحسين وسيد الضوي، ويعكف المضربون بالسيرة أيام داخل منازلهم لكتابة وتسجيل ما يتغنون به من حكاوى بني هلال.

المضروب بالسيرة هو من يهتم بجمع أو حفظ ورواية السيرة.

خضرا وأرض العلامات

خضرا تخجل أن تعود إلى منزل أسرتها بعد اتهامها في عرضها، وخلال رحلتها تقابل سيدنا الخضر الذي يحاول التخفيف عنها ويحزم أبو زيد الهلالي بحزام يحميه من الأذى طوال عمره بل ويطلق عليه اسم "بركات".

وتتزوج خضرا من الملك فاضل الذي يعرفه أبو زيد أبًا له، تمر الأعوام ويكبر "أبو زيد" ويصبح فارس أسمر قوي ذي شعبية،  يهزم فرسان بني عقيل وفرسان بني هلال أيضًا، حتى يقابل والده رزق والذي كان يشعر بالذنب بعدما طرد ابنه بسبب شكوكه وتحريض أخوه على طرد زوجته لأنها خانته وأنجبت ذلك الأسمر  بعد معاشرة أحد "العبيد".

يعترف رزق بسلامة ابنًا، بينما يعامله الابن معاملة جافة ثم يعلن إنه قد سامحه بشرط أن يرد اعتبار أمه أمام الجميع ليقترن اسم خضرا بالشرف ونعرفها "خضراء الشريفة"؟

وراح أبو زيد الضوي
نهاية أبو زيد اختلفت بشأنها الروايات، لكن الأكيد أن موت الجسد هو نهاية كل شخص سواء كان أسطورة أو شخص حقيقي، وبداية نهاية أبو زيد كانت مع الحرب التي شنها على تونس والزناتي خليفة في الفترة التي عانت منها نجد الفقر والجوع، تمر الأيام ويغدر دياب بن غانم بصديقه أبو زيد الهلالي ويقتله لنتنتهي الأسطورة، وفي رواية أخرى اختفى أبو زيد ولم يعرف أحد طريقه.

أما شيخ القوالين (نسبة إلى القول)، أو المكتبة المتنقلة، فبعد موت رفيقه الأستاذ الأبنودي-كما كان يحب أن يناديه- قلت حفلاته إلى أن حاول أحد تلاميذه الشيخ زين محمود أن يعيده مرة أخرى، وخلال رحلة الضوي سجل ما يقرب من 140 حلقة للسيرة الهلالية.

لا يخشى الرجل الذي رحل عن عالمنا الخميس 29 سبتمبر، ضياع السيرة، فإضافة إلى تسجيلها هناك جيل لايزال يحفظ أجزاء من السيرة بينهم حفيده رمضان وشوقي القناوي وزين محمود وآخرون.

عزيزي الزائر لقد قرأت خبر دوت مصر: سيد الضوي.. عكاز وربابة و"فارس بلا وريث" في موقع مصر 24 ولقد تم نشر الخبر من موقع دوت مصر وتقع مسئولية صحة الخبر من عدمة علي عاتقهم ويمكنك مشاهدة مصدر الخبر الاصلي من الرابط التالي دوت مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق