الارشيف / منوعات / الحمهورية

تونس اليوم الاعلامي هاشمي نويرة يدق ناقوس الخطر اثر التغييرات الأمنية الأخيرة

  أخبار وطنية
img.jpg

تحت عنوان "منظومة التوازن والرّدع الأمني في خطر: إمّا حَيَاةٌ .. وإمّا فَنَاءٌ"، نشرت جريدة "الصحافة اليوم" بتاريخ يوم الثلاثاء 19 جوان مقالة رأي لرئيس التحرير الاعلامي الهاشمي نويرة الذي انتقد التغييرات الأمنية الأخيرة التي أقدم عليها وزير الداخلية بالنّيابة ووزير العدل غازي الجريبي معتبرا أنها من أخطر ما يُمْكِن أن يُصيب منظومة التوازن الأمني في البلاد.

وحلل نويرة ما يجري في مقالة ننقلها لكم كما نُشرت:

"نكادُ نَجْزِمُ بأنّ ما أقْدَمَ عليه وزير الداخلية بالنّيابة ووزير العدل غازي الجريبي مِنْ تغييرات في الإطارات الأمنيّة وتحديدا في سِلْكِ الحرس الوطني هو أَخْطَرُ ما يُمْكِن أن يُصيب منظومة التوازن الأمني في البلاد...

ولا يمكن قطعا الاستهانة بما حصل وسيحصل في حال استمرار صَمْت المجتمع وشَلَلِ مؤسّسات الدّولة، ذلك أنّ إقْدَامَ وزير بالنّيابة على اجراء تغييرات عميقة بهذا الشّكل في سِلْكِ الحرس الوطني الذي يُعْتَبَرُ سِلْكَ الأزَمَاتِ والتّوازن و الرّدع بحُكْمِ أنّه يكاد يخْتَزِلُ منظومة الوقاية ضدّ الانقلابات مِنْ أيّ جهة كانت وضدّ الأزمات الناجمة عن حالات الاحتقان الاجتماعي متى أصبحت تهدّد استقرار الأمن القومي وهو لذلك مِن أهمّ آليات الرّدع للمحافظة على هذه المنظومة الأمنية ..

ان الاستهانة بذلك هو اغفال اجرامي لمؤشر خطير على تدهورالاوضاع الامنية في البلاد وقد يكون مِنَ المفيد العِلْمُ بأنّ استقرار البلاد ونجاحها في الحدّ مِنَ الخطر الإرهابي يعود فيه الفَضْلُ بشَكْلٍ كبير الى هذه المنظومة الأمنية المندمجة والتّي بَوَّأَتْ سِلْكَ الحرس الوطني مَكَانَةً وسطية متوازنة بين مختلف الأسلاك الأمنية والعسكرية الأخرى.
مِنَ المهمّ أيضا معرفة أنّ سِلْكَ الحرس الوطني لَعِبَ هذا الدّور منذ 1956 ونجح في كلّ مرّة في انقاذ تونس مِنَ الانزلاق في متاهات ما تردّت اليه الأوضاع في عديد الدول وهذا هو مِنَ الأسباب الرئيسية في غياب ثقافة الانقلابات في بلادنا إضافة الى أسباب أخرى متعلّقة بتصوّر معيّن للمؤسسة العسكرية،
من الضروري كذلك الوقوف على حقيقة أنّ هذا السِّلْكَ هو شديد الارتباط برئيس الجمهورية بحُكْمِ مَهَامِهِ في تحقيق الرّدْعِ والتوازن لمّا يتعلّق الأمرَ بتهديد أَمْنِ واستقرار البلاد ..
ونتيجة لكلّ ما تقدّم فإنّه مِنَ المشْرُوعِ والضروري التّساؤل بخصوص مجموعة التغييرات الواسعة والفُجئيّة في مختلف الأسْلاَكِ الأمنية وتحديدا في سِلْكِ الحرس الوطني، لماذا الآن ؟! ولِمَ كلّ هَذِه العَجَلَةِ ؟!

دُفْعةٌ أولى مِنَ الإقالات والتعيينات في صفوف الأمن بعد يوم واحدٍ مِنْ تولّي الجريبي حقيبة الوزارة بالنيابة ونحن نعلم عِلْمَ اليقين أنّ الوزير المُقَال لطفي براهم مُنِعَ مِنْ أيّ تَعْيينٍ أو إقالة حتى على مستوى ديوانه الخاصّ، لقد فشل حتى في تعيين مدير ديوان وهي سابقة لم تعرفها الدكتاتوريات ولا الديمقراطيات ...

دُفْعَة ثانية شملت هذه المرّة قرابة 100 تعيين واقالة صلب قطاع حسّاس مثل سلك الحرس الوطني، ولُغَة الأرقام قد تكون في الموضع الأكثر بلاغة في التعبير عن حَجْمِ الكارثة والدمار الذي قد يلحق بالمنظومة الأمنيّة.
تقول لُغَةُ الأرقام أنّ السنوات الثلاث الأخيرة شهدت خروج 400 الى خمس مائة اطار أمني مِنْ مختلف الأسلاك والرّتب والذين خبروا الميدان وخاضوا المعارك، وذلك لبلوغهم سنّ التقاعد وهو الأمر الذي أثّر على المخزون الاحتياطي «لبَنْكِ الاطارات» الأمنية والذي كان قبل 2015 أفضل بكثير، وهذا المخزون الاحتياطي مكّن تونس مِن كفاءات ميدانية وتأطيرية لتعويض حالات التهرّم الطبيعي لمختلف الأسلاك الأمنية.
لُغَةُ الأرقام تكشف كذلك أنّ سنة 2012 شهدت انتداب قرابة 300 اطار أمني بين حَرَسٍ وشُرْطَةٍ وذلك في عَهْدِ التّرويكا وعلي العريض مع ما يطرحه ذلك مِن احتمالات اندساس، وقد كان المناخ السياسي مُهيّأً لذلك في تلك الفترة.
ومع تسريع وتيرة الاقالات والاحالة على التقاعد تكون هذه الاطارات الآن على مشارف المناصب العليا في الشرطة والحرس ...
كلّ هذا يتمّ في «المُبَاشر» تحت جُنْحِ الظلام حينًا وتحت الأضواء الكاشفة حينًا آخر، كلّ هذا يحصل على يَدِ وزير بالنّيابة يبدو أنّه وَهْوَ وزير للعَدْلِ وما يزال، كان على إطّلاع وثِيقٍ بدقائق الأمور في وزارة الداخلية، وهو ما خوّله أن يجري تعديلات وتعيينات في الوزارة بعد يومٍ فقط مِن إلحاقها الوقتي بصلاحياته.

وقد بحثنا عَنِ الجَمْعِ بين وزارتي العَدْلِ والداخلية فأحصينا الى حدّ الآن حالتين فقط في التّاريخ واحدة في عَهْدِ فرانكو الاسباني وهو «ديمقراطي» معروف، وأخرى في زمَنِ القذافي الراحل .. ومع ذلك نكاد لم نسمع كلمة واحدة مِنَ المنظمات التي أصمّت آذاننا بالحديث عن حقوق الانسان ..

لا شيء في ما يبدو يبعث على الخوف مِنْ تلاشي منظومة الحرّيات ..

وهؤلاء قَدْ يغيب عَنْهُم الوعي بأنّ اضمِحلال وتفكّك المنظومة الأمنية هو مقدّمة لزوال منظومة الحرية خصوصا اذا كان الفاعل الرئيسي مُغَامرًا، لا علاقة له بمنطق الدولة، أو صاحب فِكْرٍ ديني مُعَادٍ في العُمْقِ لمفهوم الدولة والحريات.

.. انّ ضَرْبَ سِلْكَ الحرس الوطني هو تقويض لا خِلاَفَ فيه لمنظومة الوقاية الأمنية التي تقوم على القدرة على فرض التوازن والرّدع .. وانّ الطريقة التي تمَّ بها تَنِمُّ عَنْ جَهْلٍ وغباء لا مثيل له، نقول هذا الكلام حتّى نتجنّب فرضيّة سوء النيّة.
وإنّ ضرب هذا السّلك في هذا التوقيت وبهذه الطريقة يطرح أكثر مِنْ سؤال ويثير أكثر من إشْكالٍ ..
ولن نخوض في تفاصيل التعيينات والاقالات ولكنّ التغيير في ادارة الشؤون العدلية للحرس الوطني وادارة الارهاب هو أَمْرٌ يُجانب السرياليّة مِنْ حيث الغباء، اذ أنّ القاصي والداني يقرّ بنجاح هذه الادارات، أو هو استهداف يُرادُ مِنْهُ تفكيك هذه الادارات التي نجحت بامتياز وذلك تمهيدا لاختراقها وتطويعها كمقدّمة لتطويع سِلْك الحرس الوطني من اجل وضع اليد نهائيّا على الدولة والمجتمع والانقلاب على المؤسسات المدنية القائمة وأمّا عن الطريقة التي تمّ بها الاعلان عن الاقالات والتعيينات فحدّث ولا حَرَجَ ..

ذات ثاني أيّام العيد، بعد منتصف ليل الأحد، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي يتمّ كشف أسماء مسؤولين عن أجهزة حساسة، تمهيدا لكشف مسالكهم وشبكاتهم التي نجحوا من خلالها في القضاء على أخطر الخلايا الارهابية، وربّما يعرّض أَمْنَ وحياة هؤلاء الأبطال وعائلاتهم للخطر.. ما هذا الذي يحدث في بلادنا ؟!

جماعة منقلبة على النموذج المدني للمجتمع والدولة، ديدنها التغوّل داخل مفاصل الدولة والحكم وفي المواقع الحساسة، هي سيطرت بالكامل على المنظومة المعلوماتية للبلد وهي بصدد إما السيطرة أو تفكيك الاجهزة الحساسة الأمنية بالخصوص، جماعة وجدت ضالتها في طيف «شبابي» أغوته السلطة فمارسها «بلا هَديٍ ولا هُدى ولا كتاب مُنير»، الا ما جادت به افكار وبرامج الجماعة عليهم ..

هذا التحالف يجْهِدُ نفسه لتفكيك كلّ ما هو متماسك في هذا البلد .. وسط صمت يشبه صمت القبور ..

بقي شيء واحد القوّة التعديلية المدنية أي الاتحاد العام التونسي للشغل، لأنّ الأحزاب انفرط عقدها وانكشفت انتهازيّة أغلبها .. الاتحاد الذي يخوض معركة وجود تونس ومعركة وجوده ايضا ..

وأمّا عَنْ رئيس الجمهورية الذي قال ذات يوم أنّه مِنْ حقّه ومن واجبه التوجّه الى الشعب الذي انتخبه فهو مطالبٌ اليوم بتوضيح الأمر لهذا الشعب الذي انهكته السياسات وعبثت بمصيره الحكومات وخيّم عليه شبَحُ الشكِّ وعدم الاستقرار ..
انّ الاعتقاد يسود بأن تونس بلغت نقطة اللاعودة فإمّا حيَاة وإمّا فناء"..

 


هذا المحتوي ( تونس اليوم الاعلامي هاشمي نويرة يدق ناقوس الخطر اثر التغييرات الأمنية الأخيرة ) منقول بواسطة محرك بحث مصر 24 وتم نقله كما هو من المصدر ( الحمهورية )، ولا يعبر عن وجة نظر الموقع ولا سياسة التحرير وانما تقع مسئولية الخبر وصحته علي الناشر الاصلي وهو الحمهورية.

قد تقرأ أيضا