تونس اليوم بقلم الراحل صالح الزغيدي: عندما تكون السياسة في خدمة ثقافة متخلفة...

الحمهورية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
  أخبار وطنية
img.jpg

المعركة من أجل ثقافة ديمقراطية معركة مصيرية

اين حرية المعتقد حين ترتفع اصوات الأئمة بالمساجد للتشهير بالشيعة وبالشيوعيين والملحدين وبما يسمّونهم الكفار؟

لا بد في بداية هذه المساهمة أن انوه بهذه المبادرة النادرة في هذه الأزمنة التعيسة التي يعتقد فيها البعض من نخبنا، بما فيها اليسارية والتقدمية، ان الاهتمام بمثل هذه «الثانويات» مضيعة للوقت والطاقات، في حين ان المطروح هو التركيز على القضايا «المصيرية» التي تهم «الشعب التونسي مثل المقدرة الشرائية والبطالة والتنمية الجهوية والمديونية وغيرها كثير...
هذه تعاسة الفكر عند البعض من أصدقائنا و«رفاقنا»..تعاسة الفكر أو فكر التعاسة يحمل هؤلاء إلى احتقار العديد من القضايا المجتمعية التي تهم الحياة الخاصة والعامة..تذكروا وليس بالعهد من قدم، هؤلاء كانوا ينظرون نظرة ريب وتشكيك للمناضلات والمناضلين الذين كانوا يناضلون بكل عزيمة دفاعا عن قضايا النساء والمساواة بين الذكور والإناث ، وكانوا يعتبرون هذا النضال خدمة للنظام القائم وتحويلا لوجهة النضال الصحيح...
في المظاهرة التي نظمت  في وسط العاصمة في جوان الفارط،  حول الدفاع عن حرية المعتقد وحرية التعامل  مع شهر رمضان كل حسب قناعاته، غابت العديد من الوجوه «الديمقراطية» و«التقدمية» المعروفة.
اذا كنا حقا لا زلنا نتخبط في مرحلة «الانتقال الديمقراطي»، الذي يطرح علينا الانتقال من دولة ومجتمع غير ديمقراطيين، أي مبنيين على قيم غير ديمقراطية، إلى دولة ومجتمع تسود فيهما القيم الديمقراطية بما في ذلك القوانين والتشريعات التي تكرس عمليا وفعليا تلك القيم، يصبح من البديهي أن المعركة من أجل ثقافة ديمقراطية ومن اجل تشريعات تترجم وتعبر عن تلك الثقافة، هي ليست معركة ثانوية بل هي معركة مصيرية...
ان معركتنا من اجل دولة ديمقراطية تكرس الحقوق الفردية والجماعية وحقوق الإنسان والمساواة بين النساء والرجال في جميع المستويات لا تقل أهمية عن معاركنا الأخرى مثل المعركة من أجل العدالة الاجتماعية، أو من أجل التنمية الجهوية أو من أجل نظام تربوي متقدم وناجع، أو غيرها من المعارك..
غير أنه ثمة أولويات تفرض نفسها... إننا إذا انطلقنا من ضرورة أن نتعايش معا كمواطنين ومواطنات بالرغم من اختلافاتنا وعدم تجانسنا في العديد من مظاهر حياتنا ، فانه من الحتمي أن نؤسس لقاعدة مشتركة تمكننا من التعايش..وأعني بذلك في آخر التحليل ثقافة مشتركة دنيا تشكل نوعا من الخطوط الحمراء بالنسبة للجميع، وتكون مضمونة دستوريا وقانونيا، على أن  يعاقب ـ بصفة قانونية وعادلة ـ كل من يخالفها...
إني أعتقد أن على رأس عناصر هذه الثقافة الدنيا الحريات والحقوق الفردية التي لا تقبل الجدل، وهي تلك الحقوق التي أصبحت في عصرنا الحالي مرتبطة بالإنسان نفسه... حرية الضمير، حرية المعتقد... هي حرية لا تقبل النقاش والتفريط فيها بأي شكل من الأشكال... انه أصبح من البديهي أن الانتماء الفكري، بما فيه الانتماء الديني أو المذهبي أو العقائدي لا يمكن أن يفرض على الفرد... هي مسألة ضمير، هي مسألة معتقد... يبقى الإنسان فيها مباشرة أمام ضميره وأمام ضميره فقط... فلا يمكن أن نتصور أو أن نقبل أي إكراه في المعتقد... يجب أن يفهم المتزمتون الدينيون والسياسيون الذين يحترفون توظيف الدين أننا لم نعد نعيش في الإمبراطوريات أو الممالك البائدة  التي كان الرعايا فيها يعتنقون بالضرورة دين سيدهم الملك أو الإمبراطور... ولم نعد نعيش في المجتمعات القبلية المتخلفة التي كان فيها أفراد القبيلة يتبعون بالضرورة دين أو مذهب رئيس القبيلة... ان للإنسان اليوم، في عصر الحداثة والديمقراطية والحريات، الحق الكامل بلا نقصان أن يؤمن بالله ورسوله، وأن لا يؤمن لا بهذا ولا بذاك... وله الحق الكامل بدون نقصان أن يعتنق دينا معينا وأن يغير دينه متى شاء فينتقل من دين إلى آخر أو أن يترك الأديان كلها ليصبح لادينيا أو ملحدا... وهو حر في ذلك بصفة كاملة غير مشروطة وغير منقوصة... إنها مسألة ضمير، ومسألة ضمير فقط، ولا دخل للدولة ولا للعائلة ولا للمجتمع في هذا الموضوع الخاص والفردي بامتياز..
أين نحن من هذا في بلادنا اليوم؟ نحن بعيدون عن هذا بعد السماء عن الأرض...صحيح أن دستورنا والعديد من قوانيننا ليست مستخرجة من الشريعة الإسلامية بصفة مباشرة... لكن الثقافة السائدة، سواء في مستوى الدولة أو في مستوى المجتمع، هي بصفة واضحة ثقافة دينية... أين حرية المعتقد عندما ترفض قوانيننا زواج التونسية بغير المسلم؟ أين حرية المعتقد عندما يفرض صوم رمضان في كل التجمعات مثل المبيتات والثكنات؟ أين حرية المعتقد عندما تغلق المقاهي والمطاعم في وجه غير الصائمين من التونسيين ولا تفتح إلا للأجانب، وهو ما ورد حرفيا في المناشير والوثائق الرسمية لمؤسسات الدولة؟أين حرية المعتقد حين ترتفع أصوات الأئمة في المساجد للتشهير بالشيعة وبالشيوعيين والملحدين وبما يسمونهم الكفار؟
انه أصبح اليوم من المتأكد، بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها البلاد منذ 14 جانفي 2011 وصعود النهضويين الظلاميين للسلطة ، أن كثافة الحضور الديني في مستوى المساجد والإعلام والتربية والسياسة من شأنها أن تعزز الثقافة الدينية المتزمتة والمتشددة... من الواضح انه إذا وجب الإقرار بأننا سجلنا في الست سنوات الفارطة تقدما ملحوظا في مستوى التسامح السياسي ، فإننا سجلنا في المقابل تراجعا ملحوظا في مستوى التسامح الديني... كثافة الحضور الديني في مختلف الفضاءات لا يمكن إلا أن تشكل ضغطا كبيرا على حرية الضمير وحرية المعتقد... وتتصاعد الضغوطات عندما يترافق ذلك مع صعود محترفي توظيف الدين في السياسة الى مواقع التسيير في السلطة...
تجارب الإنسانية في العشرينات الفارطة أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن الثقافة الوحيدة التي تضمن في نفس الوقت التعايش السلمي بين مجموعة وطنية ما، وتضمن الديمقراطية والحريات الفردية والعامة وحقوق الإنسان، هي الثقافة اللائكية لأنها الوحيدة التي تحترم الأديان وكافة المعتقدات على نفس المستوى وتقر بأن لا تسييس للدين ولا تديين للسياسة... وصدق الشعار الذي أصدع به المتظاهرون في 17 فيفري 2011 في التظاهرة الأولى التي شهدتها العاصمة التونسية للمطالبة بدولة لائكية: « تونس تونس لائكية ... تونس تونس ليك وليا...»


اخلاء مسئولية: مضمون هذا الخبر تم نقله بواسطة تقنية محرك بحث الاخبار، وهو تم نشره بواسطة موقع (الحمهورية ) ولا يعبر عن وجهة نظر مصر 24 وانما تم نقله بمحتواه كما هو من الرابط التالي الحمهورية ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر، وتم ازالة كل الروابط الخارجية من الموضوع "تونس اليوم بقلم الراحل صالح الزغيدي: عندما تكون السياسة في خدمة ثقافة متخلفة..." والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

أخبار ذات صلة


0 تعليق