الفن اليوم خضرة إمام زوجة الفنان على الشريف:عشت سنوات بعده.. عينى ترى النور «عتمة»!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ

جريدة الوفد: حوار يكتبه : خيرى حسن

 

أبى اشترط عليه الابتعاد عن السياسة حتى يوافق على الزواج

تزوجته وعمرى 18 عامًا وهو عمره 36 سنة

 كان يكره غلق النوافذ وإطفاء الأنوار لأنها تذكره بالمعتقل

لعب دور «دياب» فى فيلم «الأرض» وتقاضى عليه أجرًا 60 جنيهًا

مات على ذراعى وهو يقول.. «مدد يا حسين».. ثم نطق الشهادتين

 

يسقط أعداء الحرية.

يسقط أعداء الإنسانية.

يسقط أعداء العدل.

وأنا طفل صغير ساقنى القدر، للتعرف على رجل فى قريتى، كان فيما يبدو- يسارى الهوى- اسمه عم «صابر». يعد من أوائل من اشتروا تليفزيون 16 بوصة بالألوان، وجهاز فيديو جديدًا. وذات يوم تسللت إلى بيته، فوجدته يستعد لمشاهدة فيلم عربى اسمه «وراء الشمس».. قال لى وقتها انه ممنوع من العرض. وحتى لا يزعجه أحد، ارسل زوجته وأطفاله إلى بيت أهلها، وأطفأ الأنوار، وأغلق النوافذ. وجلس يستعد لمتابعة أحداث الفيلم. بصعوبة اقنعته، بالجلوس معه للمشاهدة، خاصة أنه يعلم مدى حبى لمشاهدة الأفلام بشكل عام. وافق على مضض، وأذكر أن سيناريو الفيلم الذى أخرجه الراحل محمد راضى، كان يدور فى معتقل من معتقلات مصر بعد نكسة 67. ولعب بطولته، مجموعة كبيرة من النجوم منهم رشدى أباظة ونادية لطفى ومحمود المليجى وشكرى سرحان وأحمد زكى وغيرهم. ولفت نظرى وقتها الفنان الراحل على الشريف (1931- 1987) فى دور صغير لسجين، يبدو انه اصيب بالشلل من قسوة التعذيب فى المعتقل- وهو الذى اعتقل فى الواقع 6 سنوات فى سجن الواحات كمعتقل سياسى ولم ينطق فى الفيلم؛ إلا بثلاث جمل ثابتة ومحددة وصادقة، كانت عبارة عن صرخة أو نداء- أو دعاء- يتوجه بها إلى الله، بأن يقتص بقوته وعدله من أعداء الحرية والإنسانية فى كل زمان ومكان!

مرت السنوات، وغادرت قريتى للعاصمة للدراسة والعمل، لكن ظلت صورة «عم صابر» فى ذهنى حيث كان يرتعد جسده، كلما ظهر «على الشريف» على الشاشة، مطالبًا بالحرية والإنسانية. وكان الرجل من شدة تأثره بالمشهد، يتمتم بكلمات حزينة قائلاً: «حتى الكسيح لم ينجُ من التعذيب.. لك الله يا مصر»! بعد عدة سنوات مات «عم صابر». أما أنا فظلت صورة الفنان على الشريف؛ عالقة فى ذهنى لا انساها، لذلك تابعت باهتمام أغلب أعماله الفنية خاصة دوره الأول فى فيلم «الأرض» الذى لعب فيه دور «دياب»، ذلك الفلاح الذى يحب أرضه إلى حد الجنون ووطنه إلى حد العشق؛ رغم أن الوطن لم يعطه، القدرة حتى على شراء عدة أقراص من الطعمية الساخنة، ليسد بها جوعه، بعدما أصبح الحصول عليها، حلماً صعب المنال، كما يظهر هذا فى المشهد العبقرى له فى الفيلم، عندما يذهب للمدينة، لوداع أخيه محمد أفندى- لعب دوره الراحل حمدى أحمد- وبعد وداعه، ظل ينظر لأقراص الطعمية فى محطة السكة الحديد، بشوق ورغبة وحب جارف، وهو المحروم منها، بسبب الفقر، ليبقى قرص الطعمية- حسب قوله- نعمة يتنعم بها أهل البندر، ويحرم منها أهل القرى فى ذلك الوقت.

فى سلسلة حوارت «عِشرة عمر» التقيت بالسيدة «خضرة محمد إمام» زوجته التى تزوجها وعمره 36 عاماً، وكان عمرها 18عامًا فى ذلك الوقت. اللقاء تجاوز الـ90 دقيقة، ومنذ الدقيقة الأولى شعرت وهى جالسة أمامى بأنها رغم مرور ما يقرب من 32 عامًا على رحيله المفاجئ، ما زالت غير مستوعبة فكرة موته من الأساس. هل بالفعل مات «على»؟ ملامحها تسأل- دون أن تنطق- هذا السؤال وما يتبعه من أسئلة. تنزع نظارتها الشمسية التى ترتديها، لتدارى الدموع الحائرة بين جفنيها وتنظر للسماء وتقول: يا أيها الموت، كيف تدخل إلى حجرة نومى بتلك السرعة، وإلى سريرى بتلك القسوة، وتمد يدك بكل غلظة، إلى زوجى وهو جالس بجوارى، نتحدث عما سنفعله فى الصباح. ثم تسحبه فى هدوء، وتغادرا المكان إلى غير رجعة أيضًا فى هدوء؟ كم أنت قاسٍ يا أيها الموت؟! قالتها وهى تتنهد بصعوبة ثم سكتت قليلاً. لتقول: «سبحان الله.. أعمار»!. جاء النادل بكوب الشاى الذى طلبته قبل قليل. توقفت عن الكلام. أخذت معلقة سكر واحدة، ووضعتها فى الشاى. ثم قالت: يوم رحيله كان حسن ابنى الأكبر عمره 13 سنة، ومصابًا بمرض السكر الذى باغته وعمره 11 عاماً.

وكان أصغر الأبناء الستة- ثلاثة

ذكور وثلاث إناث- عمره عام ونصف العام فقط. أمسكت المعلقة مرة أخرى وبدأت تذيب السكر مع الشاى وعيناها تنظران للسماء وتكمل كلامها قائلة: هل كان يعرف الموت هذا عندما خطف «على» من بين هؤلاء الأطفال الصغار؟ كنا ليلة الأربعاء 11 فبراير 1987 وكنت أنا أستعد للاحتفال بعيد زواجنا بعد 48 ساعة، حيث تزوجنا فى 13 فيراير 1971. كان يجلس بجوارى، احكى له عن تلك الترتيبات بسعادة. أما هو فكان غير مهتم بذلك. احتسى فنجان قهوته، ثم ودعنى. على باب الشقة قلت له إن الفنان مصطفى متولى (1949 - 2000) جاء ظهر اليوم وأنت بالخارج، يسأل عنك. وعندما لم يجدك، قال إنه سيمر عليك غداً. هز رأسه مرة أخرى وقال: «ربنا يسهل»! يومها ذهب إلى المسرح لينتهى من البروفات النهائية لمسرحية (علشان خاطر عيونك) قبل عرضها بليلة واحدة. كان طبيعيًا جدًا ولا يشكو من أى متاعب صحية. الساعة عندما تعدت الواحدة من صباح يوم الخميس دخلت إلى غرفتى للنوم. فى الخامسة صباحًا صحوت من نومى لصلاة الفجر. وجدته عاد منذ فترة. صلى الفجر، وجلس يقرأ فى كتاب عن استشهاد سيدنا الحسين. قال: أنا مرهق جدًا واشعر بالتعب. جلست معه نصف ساعة قبل أن يطلب دخوله من الصالة إلى حجرة النوم. وصل بصعوبة إلى السرير. سقط جسده بقوة عليه. اسندت رأسه على ذراعى اليمنى. وأنا أقول له: «شد حيلك يا على».. أنت بخير. رد: أنت تعرفين ما لى وما علىَّ لدى الناس؟ قلت: لماذا تقول ذلك؟ يرد: اسمعى فليس هناك وقت! ولا تذهبى اليوم إلى عملك؟ ولا تجعلى الأولاد يذهبون للمدرسة؟ أنا سأموت بعد قليل. هو ما زال يتحدث وأنا ما زالت صامتة، تائهة، وتوقف عقلى عن التفكير. عاد فقال: «مدد يا أهل البيت.. مدد يا حسين.. سامحنى يا الله. ثم أوصانى بالأولاد خاصة حسن الابن الأكبر. بعد لحظات بدأ وجهه يتصبب عرقاً، وبدأت أنا أرى الحجرة معتمة، فلا أرى إلا وجهه. ثم سقط رأسه على ذراعى وهو يتمتم بالشهادتين».

ثم قال: «يا حسين مدد.. جايلكم.. يا أهل البيت».

الساعة الآن السابعة صباحاً.. «على» مات!

ـ ولد الفنان على الشريف فى 23 يونيه 1934 والتحق فى بادئ الأمر بكلية الهندسة، وتركها بسبب الاعتقال ثم انتقل إلى كلية التجارة وتخرج فيها عام 1965.

ـ ترك من الأبناء ستة نجحت الزوجة فى تعليمهم وحصولهم على شهادات جامعية مرموقة وتزوجوا واستقلوا بحياتهم الخاصة.

ـ كان من عشاق الخطابة والإذاعة المدرسية وعندما دخل الجامعة اهتم بالسياسة التى ذهبت به إلى معتقل الواحات.

بدأ التمثيل هاويًا فى المعتقل حيث كان يقيم المعتقلون عروضًا مسرحية للتسلية فى أوقات فراغهم، وقام بتمثيل دور امرأة فى مأساة الحلاج التى كتبها صلاح عبدالصبور. وكان دائمًا ما يقدم أعمال ويليام شكسبير. تعرف فى المعتقل على رسام الكاريكاتير حسن فؤاد والكاتب عبدالرحمن الشرقاوى وأحمد فؤاد نجم.

رشحه حسن فؤاد- الذى كتب سيناريو فيلم «الأرض»- للمخرج يوسف شاهين، ليؤدى دور «دياب» وحصل فيه على أجر 60 جنيهًا فقط.

عمل مع كبار المخرجين منهم كمال الشيخ فى «على من نطلق الرصاص». وعلى بدرخان فى «الكرنك». وكان قاسمًا مشتركًا فى عدد كبير من أفلام عادل إمام. وقدم معه أفلام «حب فى الزنزانة». «واحدة بواحدة» «كراكون فى الشارع». «الأفوكاتو». كما قدم معه مسلسلى «دموع فى عيون وقحة» و«أحلام الفتى الطائر». قدم ما يقرب من 150 عملا فنيا فى السينما والمسرح والدراما التليفزيونية.

ارتدت الزوجة نظارتها الشمسية مرة أخرى، وامسكت بكوب وزجاجة مياه أمامنا، وبعدما فرغت من شرب الماء وهدأت بعض الشىء. قلت لها: كيف

ADTECH;loc=300;grp=%5Bgroup%5D
تعرفت عليه قبل الزواج؟ قالت: كنا جيرانًا فى منطقة ميت عقبة. لم أكن أعرفه شخصيا، نظرًا لفارق السن بيننا. لكن كنت اسمع عنه الحكايات من الجيران، خاصة وهو كان معروفا فى المنطقة بالشهامة والرجولة وحسن الخلق ونشاطه السياسى، الذى كان ينصب على حب العدالة الاجتماعية ورفعة وعزة مصر والوحدة العربية التى كانت من أحلامه التى لم تتحقق حتى لحظة رحيله. بعد خروجه من المعتقل تصادف اننى كنت فى الصف الثانى الثانوى، وكنت احتاج للمساعدة فى مادة اللغة الإنجليزية، فقام هو بها. من هنا جاء التعرف بيننا. مع بداية العام الثانى تقدم لخطبتى. رفضت اسرتى بسبب اشتغاله بالسياسة. يومها طلب أبى منه أمرين. الأول الابتعاد عن السياسة. والثانى العمل فى وظيفة حكومية. بالفعل التحق بأحد البنوك وواصلت أنا دراستى الجامعية. فى السنة الأولى تمت الخطوبة وفى الفرقة الثانية تم الزواج. ابتسمت أنا فى خجل وقلت: لكن فارق السن بينكما، كان كبيرا، ألم يتسبب ذلك فى متاعب بعد الزواج؟ ابتسمت هى أكثر منى. وقالت: كان إنسانا جميلًا فى كل شىء. حكيما فى قوله. منظما ومرتبًا فى أفكاره ورجاحة عقله. ومريحا فى قوله، وعطوفا وودودا فى كل تعاملاته مع أهله واسرته وجيرانه وفى أى مكان يكون فيه. عشت معه 15 عاماً، لا أذكر اننا اختلفنا، إلى حد الخناق أو الشجار أو الصوت العالى. كنت أنا كل شىء فى حياته، انظم وقته واشترى له ملابسه، واهتم بشئون المنزل فى كل شىء. أما هو فتركته يتفرغ للعمل فقط، ولا ألجأ إليه، إلا فى الضرورة القصوى، لأن تركيبتى الشخصية- وهذا من تدابير الله- تجيد تحمل المسئولية. وهذا جعل الحياة بيننا تمر وكأنها ساعة من الصفاء والهدوء والوفاء.

فى زمن الرئيس جمال عبدالناصر، تم اعتقاله 6 سنوات فى فترة الستينات، بتهمة الانضمام لتنظيم شيوعى هدفه قلب نظام الحكم، وتم إيداعه معتقل الواحات، وكان التعذيب فيها مريراً، ونظرًا لشهامته، وقوته الجسدية، كان يتقدم صفوف التعذيب حتى ينقذ غيره من المعتقلين الضعفاء. وكثيرا ما تحمل جسده الضرب والجلد، والسحل، حتى ينقذ غيره من الأفندية- كما كان يحب أن يسميهم- من تحت قسوة الجلاد. «جلبيرى أفلاطون» زوجة الدكتور الراحل إسماعيل صبرى عبدالله فى مذكراتها التى صدرت عن المركز القومى للترجمة 2015 وتحمل عنوان (ثلاثية جلبيرى) تقول عن تلك الفترة التى اعتقل فيها قادة وأعضاء اليسار المصرى، بتهمة الانتماء إلى الفكر الشيوعى: «عندما ذهبت إلى إسماعيل فى المعتقل كان وجهه متورماً. ويده اليمنى ترتعش. ثم قال لى: سيجن جنونى.. أنا مسجون فى زنزانة بمفردى.. دون جرائد ولا كتب.. اتحمل شتائمهم.. لا أرى سواهم.. يرمون طبق الأكل القذر على الأرض. .. أنام على الأرض. اتعذب كل يوم.. أرجوك يا بولى.. أبذلى قصارى جهدك.. أريد تحويلى من هنا. انقذينى من هذا العذاب». كان هذا هو التعامل فى المعتقل مع استاذ جامعى بقيمة وفكر إسماعيل صبرى عبدالله، الذى درس فى الجامعات الفرنسية، فكيف سيكون التعامل مع عامل أو فلاح أو طالب- مثل على الشريف- دخل المعتقل فى ذلك الوقت؟

عدت إلى الزوجة وقلت لها: هل كان يتذكر أيام السجن والمعتقل أم أن التمثيل جعله لا يذكرها؟ ردت وعلى ملامحها حزن واضح قائلة: لم ينس فى أى لحظة أيام المعتقل. كان يتذكرها بفخر، رغم الحزن الممتلئ به صدره من شدة التعذيب الذى تعرض له، هو ومن معه من الشخصيات الوطنية والقامات الفكرية المخلصة التى احبت هذا الوطن. بعد لحظات توقفت بعض الشىء عن الكلام وكأنها تتذكر شيئاً ما، ثم واصلت كلامها. فى بداية زواجى لاحظت انه يرتبك وينزعج من غلق النوافذ. وينفعل بشدة إذا اطفأنا النور فى البيت. قلت له: يا على.. هل سنعيش ونوافذ البيت مفتوحة؟ قال: نعم. لقد اعتقلت عدة سنوات وراء القضبان فى الظلام والنوافذ مغلقة ليلًا ونهاراً، وهذا أمر لم أعد اطيقه مرة أخرى. وبالفعل حاولت التأقلم مع رغبته، حتى لا أجعله يتذكر تلك السنوات الحزينة والمؤلمة التى مرت عليه. وعشنا عدة سنوات، لا نغلق النوافذ إلا قليلاً، ولا نطفئ الأنوار، إلا بعض الوقت من الليل.

فى نهاية اللقاء تذكرت قولها عندما قالت إن الفنان الراحل مصطفى متولى- وكان يحبه جدًا- كان جاء ليسأل عليه فى اليوم السابق لموته، عندما لم يجده قال لها انه سيمر عليه فى الغد. سألتها: هل جاء الفنان مصطفى متولى حسب قوله فى اليوم التالى؟ ردت وهى توشك على البكاء: نعم جاء.. لكنه وجد أهل المنطقة يحيطون بالمنزل من كل جانب. سألهم فى دهشة. ما الأمر؟ قالوا له. البقاء لله.. على الشريف مات. فسقط مصطفى متولى على الأرض مغشيًا عليه، لمدة دقائق حتى فاق واستوعب الصدمة. أما أنا فمنذ لحظة موته على ذراعى، ولعدة سنوات بعدها، كنت أرى الحياة أمامى «عتمة» النهار ظلام. والليل ظلام، والحياة من بعده تحولت إلى ظلام قاتل. وكأن القدر قدر لى العيش عدة سنوات فى الظلام، مثلما عاش هو فى المعتقل ستة أعوام خلف النوافذ الضيقة والمغلقة- أيضًا- فى ظلام.

>>> 

وبعد 53 عامًا عاشها- بحلوها ومرها- مات الفنان على الشريف.. مات وهو يحلم بالعدل والحرية والمساواة! مات.. وهو يحب النهار.. ويكره «العتمة»!

 

 

هذا المحتوي ( الفن اليوم خضرة إمام زوجة الفنان على الشريف:عشت سنوات بعده.. عينى ترى النور «عتمة»! ) منقول بواسطة محرك بحث مصر 24 وتم نقله كما هو من المصدر ( الوفد )، ولا يعبر عن وجة نظر الموقع ولا سياسة التحرير وانما تقع مسئولية الخبر وصحته علي الناشر الاصلي وهو الوفد.

أخبار ذات صلة

0 تعليق